محمد جواد مغنية

28

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

الذاتية التي تعرض له ابتداء وبلا واسطة . وإليك مثالا يتضح به ما نريد بيانه : نرى سفينة تضطرب في مهب الرياح ، ويضطرب الركاب في داخلها بسبب حركتها غير الاعتيادية ، فإذا نسبت الحركة إلى السفينة كانت النسبة ذاتية ، لأنها تعرض للسفينة ابتداء وإذا نسبتها إلى الركاب كانت بالواسطة لا بالذات ، أي ان الحركة عرضت للسفينة أولا وبالذات ، وللركاب ثانيا وبالعرض ، وبهذا يتبين ان البحث في تقسيم الوجود إلى واجب وممكن ، وجوهر وعرض ، وما إلى ذاك - هو بحث عما يعرض للوجود لذاته لا لشيء آخر . معنى الوجود عرّف المتكلمون الوجود بأنه الثابت العين ، والعدم هو المنفي العين . وقال الفلاسفة : ان الوجود هو الذي يمكن ان يخبر عنه ؛ والعدم الذي لا يمكن ان يخبر عنه ، وأورد بعضهم على كلا التعرفين إشكالات لا جدوى من ذكرها ، لان الوجود أشهر من أن يحد بحد ، أو يرسم برسم « 1 » وهو يشمل كل شيء ، ومعناه واحد في الواجب والممكن والجوهر والعرض ، بدليل جعله مقسّما وقدرا مشتركا بين جميع الموجودات . ثم إن شموله للكل بالتشكيك لا بالتواطؤ . فالوجود في الواجب أولى وأقوى منه في

--> ( 1 ) قال أهل المنطق : ان المعرف لا بد أن يكون مساويا واجلى من المعرف ؛ لأنه ان كان أعم دخل فيه ما هو خارج عنه ؛ كتعريف الانسان بالحيوان : وإن كان أخص خرج منه ما هو داخل فيه ، كتعريف الحيوان بالانسان ، وهذا معنى قولهم : « جامع مانع » أي يجمع القريب ويمنع البعيد ، وإذا لم يكن المعرف أوضح واجلى كان تعريف مجهول بمجهول . وقسموا التعريف إلى قسمين : حد ورسم ، والحد هو أن يعرف الشيء بحقيقته ، كتعريف الانسان بالحيوان الناطق ، والرسم هو تعريف الشيء بوصف من أوصافه ، كتعريف الانسان بالضاحك . ويحاول العلم الحديث أن ينصرف بكل شيء إلى القوانين الطبيعية وعليه فلا يسأل ما تعريف الموضوع الفلاني أو ما هي صفاته الجوهرية بل يضع السؤال هكذا : في أي الظروف يحدث التغيير الفلاني أو ما هي أهم المبادئ التي تتمثل في التغيير الفلاني ؟ المنطق نظرية البحث ص 69 .